ابن الجوزي
140
صيد الخاطر
والثاني تخليط الزهاد ، وقد يكون بمخالطة أرباب الدنيا . وقد يكون بحفظ الناموس في اظهار التخشع ، لاجتلاب محبة العوام . فاللّه اللّه فان ناقد الجزاء بصير ، والاخلاص في الباطن ، والصدق في القلب ، ونعم طريق السلامة ستر الحال . 94 - يصف بعض شيوخه لقيت مشايخ أحوالهم مختلفة ، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم ، وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعلمه ، وان كان غيره أعلم منه . ولقيت جماعة من علماء الحديث يحفظون ويعرفون ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبة يخرجونها مخرج جرح وتعديل . ويأخذون على قراءة الحديث أجرة « 1 » ، ويسرعون الجواب لئلا ينكسر الجاه وان وقع خطأ . ولقيت عبد الوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف لم يسمع في مجلسه غيبة ، ولا كان يطلب أجرا على سماع الحديث ، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق « 2 » بكى واتصل بكاؤه ، فكنت وأنا صغير السن حينئذ يعمل بكاؤه في قلبي ، ويبني قواعد . وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل ، ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي ، فكان كثير الصمت ، شديد التحري فيما يقول ، متقنا محققا ، وربما سئل المسألة الظاهرة التي يبادر بجوابها بعض غلمانه فيتوقف فيها حتى يتيقن ، وكان كثير الصوم والصمت . فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول ، ورأيت مشايخ كانت لهم خلوات في انبساط ومزاح ، فراحوا عن القلوب ، وبدد تبديدهم ما جمعوا من العلم ، فقل الانتفاع لهم في حياتهم ، ونسوا بعد مماتهم ، فلا يكاد أحد أن يلتفت إلى مصنفاتهم . فاللّه اللّه في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر والمسكين المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ، ففاته لذات الدنيا وخيرات الآخرة ، فقدم مفلسا على قوة الحجة عليه .
--> ( 1 ) فكيف بمن يأخذ الأجرة على تلاوة القرآن ، ويتخذ ذلك مهنة يعيشن منها ، وقد نص ابن عابدين وأقام الدليل على أن ذلك حرام . كما أن قراءة القرآن بأنغام الغناء كما يقرأ اليوم لا تجوز : نص على ذلك فقهاؤنا . ( 2 ) هي ما يرقق القلب من الاخبار .